|
"أبحث في
عينيك عن وطن" لأنور سلمان
عـشــق
يـتـهــدّده الـخـــوف ونــزاع الـبــقـاء
في مجموعته الشعرية الجديدة "أبحث في عينيك عن
وطن"(*)، يحملنا انور سلمان الى ثنايا القلب والفكر فتتناثر الأفكار شعراً
تلملمه الأوراق في عشق وتيه. بين الحب والوطن والقضية تتلمس الأبيات
الشعرية الهدف الأسمى والحلم المشتهى: الخلود والبقاء. في لغة شعرية مصقولة
سرعان ما تتراءى لنا منذ المجموعة الأولى من القصائد ملامح تلك العلاقة
الثلاثية البعد: هو وهي وبينهما الشعر. علاقة فيها من الحب والخوف والقلق
ما يجعل العاشقين في صراع عنيف للبقاء واثبات الذات. بين الاستقلالية
والحاجة الى الآخر يكشف الطرفان أوراقهما ويصبح الشعر موضوع النزاع، فمن
يملكه يملك مفتاح الخلود.
قد تأخذ ريشة الشاعر من موضوع الحب خميرة،
لكنها تضفي عليه وتسكب فيه من نُطفِ الخيال والذكريات والأحلام، فتغدو
المحبوبة تلك الحورية الطالعة من ثنايا الخيال ترسمها الكلمات كائناً
يتخطّى هذا الوجود: "لكأنك من آلهة الشمس،/ وزرتِ الأرض... بليلة قدر!".
يخلقها الشاعر من جديد، يولدها على بياض الأوراق أبياتاً ترسم ملامح وجود
متوهَّم. يقرّ بأنها الملهمة ومن دونها تبقى أشعاره قصائد توقفت في المطلع
معترفاً: "وقصائد حبي ظلت نثراً/ حتى جئت.../ فكان الشعر!". بكلمة يلقي
سلاحه، يستسلم، لكنه لا يلبث أن ينتفض مدركاً انه عرّى نفسه أمامها، يخاف
أن تفهم استسلامه ضعفاً، وهنا يبدأ الصراع الأزلي. أيٌّ منهما الطرف
الأقوى؟ أي منهما لا يكتمل وجوده إلا عبر الآخر؟ هل هو الذي يكتبها شعراً
أم هي التي من دونها تبقى قصائده كلمات متراصفة لا روح فيها ولا غد؟ يخاف
الشاعر من أن يزيدها اعترافه تصلفاً وغروراً يهدد وجوده، ومن أن تظن نفسها
صانعة شعره وليس هو سوى وسيط يلتقط تلك الأفكار ليخطّها القلم ويعبر فيها
بوابة الخلود.
هذا "الشاعر الموصول بالأبد" يدرك ما للشعر من
قدرة على إيداع الأفكار آفاق المنتهى، وبالصدق نفسه الذي يسكب به على
المحبوبة ألوانه يعود وينزعها عنها في تمرد يبلغ أحياناً حدّ القسوة
الجارحة: "لملمي ذكراك من دنيا غدي،/ ودعي الأمس دفيناً في الظنون" يقول.
في لحظة يهبها كل شيء وفي أخرى يعريها من كل شيء. يسحب كل كلام الحب الذي
قيل: "فحاذري/ أن تفصحي لشاعر/ عن حبك الكبير./ فالحب في كلام الشعر،/ يا
صديقتي، /قصر على الغمام! (...)". ويضيف في موقع آخر "راودتُ يوماً فيك
ملهمة/ فزهوتٍ من تيهٍ ومن صلفٍ/ وضحكتِ من أقلام تلويني!" وكتبت عن عينيك
اغنية/ فظننت اني بعدها... ابداً/ لا شيء عن عينيك يغنيني!"، أو: "والآن
ماذا بعد. هل عرفَتْ/ عيناكِ ما عيناكِ من دوني؟/ حاولتُ أن أحيي بكِ
امرأةً/ فصنعتُ تمثالاً من الطين". في هذه الأبيات عصارة ما يعيشه الشاعر
من قلق وجودي داخلي، يروم بكل الوسائل أن يبين لها أنه لولا قصائده لما كان
لها وجود: "وأنك من قبلها لم تكوني،/ ومن دونها.../ انت ماءٌ وطين!"،
تقلّب؟ مزاجية؟ بل هي غريزة الدفاع عن النفس أمام الوجود المهدّد.
لكن الشاعر، ومهما حاول، لن يستطيع الهرب من
تلك الازدواجية التي يختبرها كل الشعراء، وذاك الصراع بين المتخيَّل
والمُعاش، بين الواقع والمشتَهى. حتى في القصائد الوطنية يبرز ذاك الصراع
بين ما أريده وما أحصل عليه، فالوطن هو له أكثر من وطن. انه الجمال والعلم
والإبداع، يختصر في ذاته الزمان قائماً منذ الأزل. يدعوه الى النهوض
مجدداً: "انهض/ من قال يصير الحلم دخان". أما القضية فجرح لا يندمل
والنكسات المتوالية وجع ممزوج بالغضب الثائر "ثوري... يا قدس،/ (...) ودعي
أعراب المؤتمرات.../ فسيف عروبتهم صدئٌ،/ وهمُ/ أحياء أمواتٌ./ لا يعطى
الأموات هويه!".
بيد انه يفيق ذات يوم من سكرة الشعر ويضطر الى
مواجهة الشكوك والعتاب والدموع التساؤلات، فترتفع جدران الجفاء بين
العاشقين ويعجز كلاهما عن فهم الآخر. هو يحب على طريقته: "من قال ليس
رائعاً/ - في الحب -/ ان نمارس الكتابه/ بالضوء والعبير؟"، وهي لا تفهم
الشاعر الذي فيه: "لا أنت تفهمين./ ولا أنا تثيرني مدامعٌ حزينة./ ونحن في
محطة الكلام من سنين./ ولم يصل قطارنا،/ وأقفلت أبوابها المدينة!". تغيم
فجأة سماء الحب وتنطفئ نجومه ويظل عاشقا الأمس يلملمان بقايا ذلك الشوق
القديم، يفتشان عن حكايا تآكلها الزمن. تموت الأحلام وتكون النهاية المؤلمة
يتبادل فيها الطرفان دوري الجلاد والضحية، وكلما كان عرش المتخيَّل أعلى
يكون السقوط مدوياً موجعاً أكثر: "من كل عريك/ في مخيلتي،/ ما ظل غير وريقة
التين!".
وينتهي الصراع من أجل البقاء، وتكون الغلبة
للشعر وحده مهما حاول الطرفان تنازعه. لكنها النتيجة الحتمية، وإن تكن
مؤلمة، فـ"لكي يطرق الشعر باب الخلود،/ من الكلمات تسيل الدماء!". كأنما
ذاك الشعر القابع خلف جدران الأبدية ينظر الى الأجيال تتنازع البقاء،
والفناء مكتوب على الجباه. وحده القادر على تخطّي الوجود ليتربع على عرش
الأزل. هناك حيث يتلاقى الزمان والمكان عند نقطة اللاعودة، نقطة الفراغ
والعدم واللاوجود.
سيلفانا الخوري
(*) صدرت في منشورات "دار الآداب"، .2004 |