الوطن والحبيبة والانكسار الذاتي(*)


حسن عبدالله(**)

"بطاقات ملونة بلا اعياد" عنوان المجموعة الشعرية الصادرة عن "دار الآداب" للشاعر انور سلمان وتتوزع قصائدها ما بين الوطنية والوجدانية والغزلية، تجمع بين السوريالية والكلاسيكية، مكتوبة بأسلوب سهل ممتنع وتختزن الكثير من الصور الشعرية المركبة.

في قصيدة "فاصلة" يكتب سلمان خلجاته الوطنية "عشقت هذي الأرض... غنيتها/ احلى اناشيدي. فهل تذكر/ لشمسها أشرع صدري... فلي/ غد بغير الضوء لا يزهر/ إن بلادي... وجهها... صوتها/ وما بها تختزن الأعصر/ لون جراحي فصل صيف لها،/ وما تبقى... فصلها الممطر".

اللحظة الشعرية

يختصر سلمان حب الوطن بهذا البوح الحنون، ليختصر ما تختزنه الذاكرة للارض التي احتضنت الشاعر، كما انه لا يفصل في مجموعته بين الوطن والحبيبة، لأن الاثنين يؤلفان المادة الأولى في التكوين النفسي للشاعر، ويساعد كل منهما الآخر على تكوين اللحظة الشعرية لديه، إذ يقول في قصيدة الجرح المسافر "بحر/ ابحث في عينيك – يا بحرية الأحزان/ عن ضوء/ مسائي عتيق/ تعب الصوت... يناديني بلا بصوت/ وضيعت طريقي!/ فأنا. عيناك آفاق انتظاري/ وبريد الحلم، والنجم المعلق/ فيهما تبعد شطآني/ وما في الريح مجذاف لزورق/ وأنا الهارب من وجهي إلى عينيك جرحاً كأحزاني عميق/ في ضياعي/ اسأل الغربة عن أي صديق/ أو رفيق".

لا بدّ من الإشارة في هذا السياق، إلى أن انور سلمان، ربما يكون من الشعراء الذين لم يغرهم النشر فحافظ على قناعته ضد الانسياق خلق "محرقة" النشر من اجل التأكيد على الحضور الدائم في الساحة الثقافية حتى ولو لم تحمل هذه المجموعة أو تلك أي جديد على صعيد التجربة وتطوّرها، إذ أن بعض المقلّين في النشر شكّلوا بتجاربهم أهم الروافد الإبداعية في الشعر العربي.

وعلى غرار هؤلاء سار سلمان، فكانت قصائده المكتوبة في سنوات، ومراحل مختلفة، وهي تغطي موضوعات الوطن والحبيبة والانكسار الذاتي، وأبلغ ما يعبر عن هذه الحالة، قصيدة "تغيب وتبقى القمر"، وهي مهداة إلى ولده "ايهاب" (1968-1980) فيها يكتب الأب لوعة الفراق التي يتركها الرحيل الأبدي، متنقلاً في تصوير المشاهد جميعاً لردود الأفعال، انطلاقاً منه وصولاً إلى الأم، وباقي الابناء، والقصيدة هذه تعطس حقيقة مؤلمة لا يكابدها إلا الأب والام، "على شجر الورد تكتب، باسم الطفولة/ جراحة أغنية للفداء/ ووجهك يا قمر الحلم/ يزهو بدفتر عمري/ قصيدة حب جميلة/ بغير انتهاء.

التناغم بين الفرح والحزن

مما لا شك فيه أن الدراما الشعرية تلعب الدور الأساسي في جعل النص الإبداعي أكثر قوة في التأثير عند المتلقي، إذ تصبح القصيدة كتلة من ردود الأفعال على حدث ما، تشحن المتلقي بطاقة عالية من الزهو، أو السرور، أو الغضب خصوصاً إذا كان الموضوع هو التضحية في سبيل الوطن، ولا سيما إذا كان هذا الوطن يعاني من وطأة الغبن والقهر المتولّد عن الاحتلال، ففي قصيدة "إفادة في محكمة الغزاة" يتحدث الشاعر بلسان حال اللبنانيين جميعاً في موقفهم من الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان، ويأتي ذلك على لسان فتاة جنوبية، تقف في وجه الغزاة، وتدور محاورة غاضبة بين الغازي والفتاة، فيها الكثير من شحنات الغضب المحرضة، على العكس من العديد من القصائد التي كتبها بعض الشعراء اللبنانيين، وفيها لغة الآلام، لتظهر وكأنها على الضعف والهوان، أمام غطرسة المحتل.

"سجل على المحضر/ سجل وحدق غاضباً فيه/واصفع بكفك وجهي الاسمر/ اسمي... مقاومة جنوبية، ليضيف في مكان آخر، واصفاً المشهد الغاضب، حين يقول: فأنا نواة الحقد والغضب، وأنا – كما تبغي – اداة الهدم/ والتخريب والشغب/ سنواتي العشرون ثائرة/ بدمي... كإعصار من اللهب. ويستمر السجال بين المحتل والفتاة لتصور مأساة شعبها بتحدّ يشي بأن المقاومة قدر لا مفر منه أي ظرف.

إذا بطاقات "ملونة لزمن بلا اعياد" مستوحاة من أجواء المجموعة التي تتناغم فيها مفردات الخطاب الشعري، بين الحزن والفرح، وتتحول موسيقاها إلى مجموعة من الالحان العذبة، فتكون البطاقات هدية الزمن "البلا اعياد"


(**) شاعر وكاتب قصة.