أنور سلمان.. شعر صاف ومراهقة في الستين(*)

د. جورج جحا(**)

مجموعة الشاعر اللبناني انور سلمان الرابعة "أبحث في عينيك عن وطن" حملت قصائد تعيد إلى الذهن زمن الشعر الغنائي العذب وسمات وصفها شاعر لبناني بارز بأنها "مراهقة في الستين".

وفي الاحتفال بصدور المجموعة الذي أُقيم مساء الاثنين في قصر اليونسكو في بيروت وصف الشاعر غسان مطر شعر سلمان بأنه يتسم ببساطة أخَاذة وبلغة عربية مشرقة في زمن ندرت فيه هاتان الصفتان بدعوى حداثة لا تستحق هذا الاسم دائماً.

وقال مطر ان البساطة التي لا تعرف الكذب تميز لغة الأطفال ولغة الأنبياء الذين خاطبوا الناس بلغتهم التي يفهمونها. وتابع أن شعر سلمان "يُتغنى ويُغنى" به في إشارة إلى قصائد عديدة للشاعر غناها مطربون ومنها واحدة أنشدتها ماجدة الرومي وفازت قبل مدة بلقب أفضل أُغنية عربية في تلك الفترة.

خاطب مطر سلمان متسائلاً من أين له تلك "المراهقة" في عمر الستين؟.

وكان نجل الشاعر نشأت سلمان وهو مهندس وموسيقي يقيم في زوريخ في سويسرا قد سجل شريط كاسيت لقصائد لوالده مع موسيقى مرافقة.

وأُقيم الاحتفال بدعوة من أصدقاء الشاعر وبرعاية غازي العريضي وزير الثقافة اللبناني.

المجموعة التي صدرت عن "دار الآداب" في 142 صفحة ضمت نحو 35 قصيدة. وجاء القسم الأخير منها والذي حمل عنوانا هو "أشرعة بلا مرافىء" شعرا وطنيا هادرا وحزينا.

وفي بعض الابيات التي كتبها الخطاط علي عاصي يقول سلمان "بعينيك.. رحت أبعثر شمس حروفي.. على خفقات شراع جميل.. وأبحث لي فيهما عن وطن.. بعينيك كنت المسافر.. كم طال بي زمن للوصول.. ومازلت أُبحر فوق مرور الزمن".

استهل سلمان مجموعته الموجهة إلى الحبيبة -التي قال العريضي انه يرى فيها كل النساء- بقصيدة عنوانها "ماذا سألوك..؟" وقال فيها "اذا سألوك في يوم.. لمن يهدي قصائده.. وفي أي العيون نجومه تسهر.. ومن تلك التي هتفت لها.. كلماته الخضراء في الدفتر.. فقولي دونما وجل.. أنا وحدي قصيدته.. رقيقته.. حبيبته.

"ووحدي من بها احتفلت.. حدائق ورده الأحمر.. وان قالوا مضى بالأمس في عينيك بحارا.. ولم يعد.. فاني بعد.. ذاك العاشق الموصول بالأبد.. واني بعد.. من عد النجوم بمرفأي عينيك.. لم أتعب.. ولم أضجر.. وما زال الهوى طفلا.. على أعوامي الستين يستلقي.. ولم يكبر.. ومن عام.. إلى عام.. يحبك مرة أكثر."

يواجه القارئ في شعر سلمان ذلك التراث الشعري الذي يراوح بين كلاسيكية ناعمة وتحرر وحداثة لا تشوبهما هجنة ويحفل بأسماء كبيرة أسهمت فيه بأشكال متباينة وزوايا مختلفة ومنها الأخوان رحباني ونزار قباني وسعيد عقل وبلند الحيدري وآخرون.

وفي قصيدة "الحب والقهوة الباردة" أجواء مماثلة عن العمر الهارب يقول "ونبقى على مقعدينا (بهذا المكان) لنشرب قهوتنا في هدوء.. وقصتنا.. رحلة في خيوط الدخان.. كأن لم يلون هوانا حنان.. كأن لم نكن مرة أصدقاء.. وها نحن بعد رحيل فصول الحكاية (نجر أحاديثنا الواهنة) وقد دقت الساعة الثامنة.. وليل المدينة يمشي الهوينا.. يدوس علينا.. ويهمي رمادا.. على جبهتينا.. ويكتب فوق انسدال الستار (النهاية").

وفي قصيدة "مرفأ الذكريات" التي أهداها إلى قريته يخيم جو رومانسي شفيف ويقول في نهايتها "وصحبة غابوا (وأهل مضوا) أرواحهم ظلت تناجيها... في ذكريات العمر ان للصبا.. مرافئ طابت مراسيها".

في مجال القصائد الوطنية وفي قصيدة "من قانا إلى مدريد" يقول سلمان "وماذا بعد عن اخبارها النكسات/ في تاريخ امتنا (الم نتعب؟) حملنا عارنا خمسين عاما.. كيف لم نتعب (رفعنا راية التحرير لم يسطع لنا سيف) ولم تصهل لنا خيل.. وما زلنا.. على الصهوات فوق خيولنا نصلب.. ولم نتعب.

"مضت أعوامنا الخمسون.. صارت دمعة المأساة في أحداقنا أكبر.. وصرنا ان كتبنا الشعر.. نكتب بالدم الأحمر.. وصرنا ان رسمنا الحلم (نرسمه) على أوراقنا الصفراء.. شمسا من دم أحمر.. ولم نسأم (و لم نضجر)."


(*) 5/25/2004 (Reuters).

(**)  أستاذ جامعي وناقد.